ali

ما الذي يكوّن المثقف؟

ما الذي يكوّن المثقف؟
Decrease Font Size Increase Font Size Text Size Print This Page
يتم تعريف المثقفين غالباً طبقاً لمهنهم. يُشار في بعض الأحيان إلى أنّ الأشخاص الذين يعملون بأدمغتهم يقومون بعمل فكري، ولذلك ففي المجتمعات الغربية، حيث تتناقص باستمرار نسبة الأشخاص الذين يعملون بأيديهم، فإن ملايين الناس يؤدون عملاً فكرياً. إضافة إلى مرشحين واضحين مثل المدرسين، والمحامين، والعلماء، هناك جيش حقيقي من موظفي القطاعين العام والخاص الذين يتم توظيفهم للقيام بأعمال ذهنية. غير أن أولئك العاملين في مهن غير بدوية ليسوا مثقفين بالضرورة. كما يجادل رون إيرمان، من المهم التمييز بين أداء العمل الفكري من جهة والمثقفين من جهة أخرى؛ لأنّه هوية المثقفين “تتشكل حول أنواع من الاهتمامات تختلف عن تلك المرتبطة بالموقع الاجتماعي”. لا يتم تعريف المثقفين طبقاً للأعمال التي يقومون بها، بل بالطريقة التي يقومون بها بأفعالهم، والطريقة التي ينظرون إليها إلى أنفسهم، والقيم التي يعتنقونها.
إن كون المرء مثقفاً لا يتعلق بكيفية كسبه لرزقه. يجادل كوسر بأنّ المثقفين “يعيشون من أجل الأفكار ولا يعيشون منها”. وتتردد هذه الفكرة عند إيرمان عندما يقول: إنّه “يمكن للمثقفين أن يعيشوا من أفكارهم، لكن ينبغي أن يعيشوا من أجلها أيضاً”.
بالرغم من أن فكرة العيش من أجل فكرة يمكن أن تبدو للقارئ مثالية على نحو بائس، إلا أنها كانت المحرك الدافع لسلوك ملايين الناس في أثناء القرون الماضية. ويمكن أن يقال بالفعل: إنّه مهما كانت التحفظات التي يمكن أن تكون للمرء حيال مثل هذه المثالية، فإنّها ألهمت العديدين لرؤية الإمكانات الإبداعية الكامنة وراء الوقائع الرصينة للحياة اليومية. حتى كون المرء خبيراً أكاديمياً لا يؤدي مباشرة إلى أن يصبح مثقفاً. كما علق عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو: “كي يتمكن المنتجون الثقافيون من اكتساب لقب مثقف، ينبغي عليهم استعمال تجربتهم وسلطتهم المحددة في مجالهم الثقافي الخاص في نشاط سياسي يقع خارج هذا المجال”. من منظور بورديو، فإن شخصاً كإنشتاين يمارس سلطته الفكرية عندما يخطو خارج مجال خبرته التخصصي (الفيزياء) ويعلق على الشؤون السياسية العالمية. إنّ الإحساس بالهوية بالنسبة لهؤلاء الأشخاص مستمد جزئياً من المشاركة في مشروع يتجاوز أي مهنة أو مصلحة محددة. يجادل بومان بأنّ “المعنى القصدي – لكون مثقفاً – هو الارتقاء فوق الانشغال الجزئي الذي تفرضه مهنته أو الجنس الفني الذي يعمل فيه والمشاركة في القضايا العامة مثل الحقيقة، والحكم والذوق السائد في عصره”. ليس من المفاجئ أن تتمثل إحدى أهم القيم التي يشيد بها المثقفون في التمتع بالاستقلال في حياتهم. اعتقد غولدنر أنّ الاستقلال يمثل طموحاً جوهرياً بالنسبة للمثقفين، ملاحظاً أن “أعمق بنية في ثقافة المثقفين وإيديولوجيتهم هي افتخارهم باستقلالهم”. إنّ رغبة المرء في امتلاك حرِّية الفعل طبقاً لمعتقداته وأفكاره تشكل واقعاً قوياً في سلوك المثقف. ولهذا السبب يعيش المثقفون في كثير من الأحيان في حالة من التوتر الإبداعي حيال القواعد والقيود التي تفرضها المؤسسات السائدة على الحياة اليومية.
كي يشعر المرء ويتصرف بوصفه مثقفاً، فإن ذلك يتطلب على الأقل ابتعاداً ذهنياً عن أعراف الشؤون اليومية وضغوطها. لاحظ إيرمان “كلما كان العمل الفكري محكوماً بقوى، وقواعد، وإجراءات خارجية، ومشرفين وما إلى ذلك، تضاءل إحساس المرء بأنّه مثقف. إن تطلعات المثقف يدفعها فهم بأنّ الأفكار لا يمكن تطويرها طبقاً لجدول معيّن أو بموجب أوامر وتعليمات مؤسسة معينة. وثمّة إدراك عام بأن درجة من الابتعاد أمر جوهري لاكتساب منظور أوسع وتحقيق الإبداع. يمكن للمثقفين أن يكونوا موظفين في مؤسسات، لكن إذا بقي خيالهم وعملهم محصوراً في هذه المؤسسات فإنّهم سيصبحون ببساطة خبراء وتكنوقراط. جادلت دراسة أميركية مهمة نشرت في ستينات القرن العشرين أنّه إذا انغمس المثقفون كلياً في “المؤسسة”، فإن ذلك “سيعني نهاية المثقفين، كما عرفهم التاريخ الحديث”. وحذر المؤلف من أن مثل هذا التطور لن يخدم مصالح أمريكة؛ لأنّه “فقط إذا تمكن المثقفون من المحافظة على ذكاء نقدي، وحافظوا على مسافة من المهام اليومية، وطوروا انشغالاً بالقيم الكلية بدلاً من القيم الطارئة والعادية، يمكنهم عندها أن يخدموا المجتمع بشكل كامل”.
حتى في أفضل فترات التطور الثقافي، فإن علاقة المثقفين بالوضع القائم تكون علاقة متوترة. هناك بالطبع مثقفون سلطويون يخدمون الطغمة المسيطرة. غير أن هؤلاء يتحولون بسرعة إلى ناطقين أيديولوجيين واعتذاريين ويغتربون عن الأنشطة الفكرية.
إنّهم يتنازلون بسرعة عن سلطتهم بوصفهم مثقفين. يصعب تخيل كيف يمكن دفع العمل الفكري إلى الأمام بطريقة امتثالية بالكامل. المثقفون المحافظون والراديكاليون على حد سواء يفسرون العالم عبر عدسة المبادئ التي تكون في حالة توتر دائم مع الشؤون العملية للمجتمع. تنتقد إحدى المجموعات الحالة السائدة للأمور لدفع المجتمع إلى الوراء، في حين تحاول المجموعة الأخرى تغيير بعض وجوهه.
يتطلب الدور الإبداعي للمثقف الابتعاد عن أي هوية أو مصلحة محددة. لقد استندت سلطة المثقف، منذ مطلع الحداثة، إلى الادعاء بأنّه يعمل ويتحدث نيابة عن المجتمع بأسره. يمكن النظر إلى المثقف بوصفه تشخيصاً لإرث التنوير، وقد سعى تقليدياً إلى تمثيل وجهة نظر العالمية. يلاحظ بيير بورديو أنّ المثقفين “كوّنوا أنفسهم على النحو الذي هم عليه عبر اعتناقهم للعالمية ورفضهم للخصوصية”. وعبر تحدثهم دفاعاً عن القيم التي تتجاوز التجربة الخاصة العقل، العقلانية، العلم، الحرية يعيد المثقفون التأكيد على قوة المشروع التنويري واستمراريته.
بصرف النظر عن المزاج الفردي، فإنّ المفكرين يُفرض عليهم في كثير من الأحيان تحدي الأعراف والآراء المعاصرة. ويتم احتواء احتمالات مثل هذا الصراع داخل المنظور العالمي للقيم والمفاهيم، الذي يتناقض مع الأعراف والتقاليد التي تبنيها مجموعات معينة على نحو براغماتي كي توجه حياتها. كما لاحظ إدوارد سعيد فإنّ العمل على أساس مبادئ العالمية أمر ينطوي على مخاطرات. “العالمية تعني أن يأخذ المرء المخاطر من أجل المضي إلى ما وراء أشكال اليقين السهلة التي توفرها لنا خلفيتنا، ولغتنا، وقوتنا التي تحجب عنا في كثير من الأحيان الآخرين”؛ ولأنّ المثقفين ذوي الطبيعة العالمية يطرحون في كثير من الأحيان أسئلة مقلقة حول الأعراف والافتراضات السائدة، ينظر إليهم على أنّهم لا منتمون عالميون غير وطنيين. ويشكل نقد أورويل للمثقفين الذين يخجلون من قوميتهم نموذجاً لهذا المنظور. إنّ الفرد الذي يحتفظ بمسافة عما حوله، والذي لا يمتثل للأعراف السائدة، كان جزءاً من الشكل النمطي لمثقف القرن العشرين.
لا يعتنق كل المفكرين المنظور السياسي والفكري لحركة التنوير. لقد تميّز المفكرون المحافظون على مرّ السنين بعدم استساغتهم لقيم التنوير. لكن مجرد سعيهم للدفاع عن نسختهم من التراث ضد مزاعم التنوير، كان يحتم عليهم تجاوز تجربتهم المحددة وتبني منظور أكثر عالمية. إن نقدهم هو نتاج للتنوير بقدر ما يشكل التنوير موضوعاً لضغينتهم. إنّ المثقفين المحافظين هم نتاج للتنوير تماماً كما نظراؤهم الأكثر راديكالية.
أن يكون المرء مثقفاً يعني أن ينخرط اجتماعياً. يصعب على المرء أن يعيش من أجل الأفكار، ولا يحاول أن يؤثر في مجتمعه. والأمر لا يتضمن فقط الانخراط في النشاط الذهني الإبداعي، بل أيضاً افتراض المسؤولية الاجتماعية واتخاذ موقف سياسي. لا يميل كل المثقفين إلى الانخراط الاجتماعي، غير أنّ المثقفين بوصفهم مجموعة ينجذبون إلى الحياة السياسية. يبين ريجيس ديبراي في دراسته للمثقفين الفرنسيين أن ما يعرّف المثقف ليس مستواه التعليمي بل “مشروع التأثير في الناس”. ويصف ديبراي هذا الاتجاه بوصفه مشروعاً أخلاقياً ذا طبيعة سياسية في المقام الأوّل. وهذا المشروع ليس بالضرورة مشروعاً سياسياً حزبياً، بل مشروع مستعد للانخراط في معركة لكسب العقول والقلوب.
ثمّة تعريفات عديدة للمثقفين. يوصفون أحياناً بأنّهم المدافعون عن المعايير الثقافية، وأنّهم مجموعة من النقاد والمنشقين الأبديين، وبوصفهم ضمير المجتمع. يعرف لويس كوسير المثقفين بأنّهم “رجال لا يبدو أنهم يرضون ألبتَّة عن الأشياء كما هي”. إلّا أنّه يفهم أن أكثر الطرق إثماراً في فهم المثقفين هي تلك التي تتعلق بعالم الأفكار. يعتقد العديد من المراقبين أن أحد الملامح المميزة للمفكر هي قدرته على الانخراط في القضايا الأوسع لعصره، يجادل بومان بأنّ “المعنى القصدي لكون المرء مثقفاً يتمثل في الارتقاء فوق انشغال المرء الجزئي بمهنته أو الجنس الفني الذي يمارسه والانخراط في القضايا العامة مثل الحقيقة، والحكم والذوق السائد. وطبقاً لإدوارد سعيد فإنّ المثقفين يضطلعون بدورهم عبر تمثيل وجهة نظر جمهور أوسع: “أنا أجادل بأنّ المثقفين هم أفراد يضطلعون برسالة في فن التمثيل، سواء كان ذلك عبر التحدث، أو الكتابة، أو التدريس، أو الظهور على التلفاز. يقدم سيمو ليبسيت أحد أكثر تعريفات المثقف بساطة وفائدة. طبقاً ليبسيت، فإنّ المثقفين هم “كل أولئك الذين يبدعون، ويوزعون، ويطبقون الثقافة، أي النظام الرمزي للإنسان، بما في ذلك السفن، والعلم والدين” مهما كان التعريف الذي نفضله، فإن كون المرء مثقفاً ينطوي على علاقة حميمة بالأنشغال والأفكار وبالحقيقة.
لا يعتنق كافة المثقفين بالطبع الفلسفة نفسها أو وجهة النظر السياسية نفسها. إنّهم يعيشون من أجل أفكار مختلفة. لكن بالرغم من الاختلافات التي قد تكون أحياناً مريرة وواسعة، فإنّ المثقفين تحدوهم رغبة مشتركة بالتأثير في العالم. إن لديهم، على وجه الخصوص، إلتزاماً مشتركاً بأن يكونوا صوتاً ناقداً للحقيقة كما يرونها. جادل المعلق الاجتماعي الأميركي البارز سي رايت ميلز أن سياسة المثقف هي أوّلاً وقبل كل شيء “سياسة الحقيقة”. وتبنى وجهة النظر القائلة: إنّ عبر البحث عن الحقيقة، فإنّ المثقف يحاسب السلطات الحاكمة. “مهما كانت الأدوار الأخرى للمثقف، فهو حتماً بين أولئك الذين يطرحون أسئلة جادة، وإذا كان مثقفاً سياسياً، فإن أسئلته تستهدف الفئات الحاكمة”.
ما من شك في أن صورة المثقف كما تم تقديمها آنفاً تقدم نسخة مثالية عن عمل هذه المجموعة. طوال القرون الثلاثة الماضية، لم يكن معظم المثقفين يسخّرون كل وقتهم للجهاد من أجل الحقيقة. كغيرهم من الناس، فإنّ المثقفين كثيراً ما يساومون، وينسحبون تحت الضغط ويمتثلون للمناخ الثقافي السائد. يمكنهم أحياناً أن يتخلوا عن استقلالهم مقابل حياة سهلة، وفي بعض الأحيان تكون فاعليتهم قناعاً يغطي لهاثهم لتحقيق المصلحة الشخصية. لكن بغضّ النظر عن خصائص بعض المثقفين ومسيرة حياتهم الشخصية والمهنية، فقد أدوا بوصفهم مجموعة دوراً مهماً في مساءلة الأعراف والتقاليد، وفي رفع حساسية المجتمع حيال المثل والقيم التي ساعدت في دفع التقدم الإنساني إلى الأمام.
اليوم يرتبط الدور المتمثل في الانشغال النقدي بالأفكار في كثير من الأحيان بما يوصف أحياناً بـ”المثقف التقليدي”. إن حقيقة استعمال كلمة “تقليدي” في التعريف يشير إلى أن وجود هذا النوع من الأشخاص أصبح الآن عرضة للتشكيك. كما يتم تقديم الحقيقة في كثير من الأحيان على أنها تفتقر إلى السلطة، حيث إنّ الأشخاص الذين يدّعون أنهم يبحثون عنها يعدّون مفارقة تاريخية لا حاجة لها. ولهذا السبب فإنّ الحاجة إلى دور “المثقف النقدي التقليدي” تتعرض للتشكيك. حتى المعلقين المتعاطفين مع ممارسة السلطة الفكرية يعتقدون أن “دورها التقليدي تآكل”. تقول كاترينا فريد جونسدوتير، وهي معلقة بارزة على الموضوع: “قد يكون علينا إعادة تقييم معنى وأهمية فئة المثقف التقليدي نفسها، إضافة إلى تحليل ظروفها المتغيرة”.
 
المصدر: كتاب (أين ذهب كل المثقفين؟)

اترك رد